عندما تتحول ماء العينين إلى مدافعة عن الحريات الفردية

عزيز سدري 2019-09-10 14:12:32

خرجت القيادية في حزب العدالة والتنمية، آمنة ماء العينين، مساء أمس (الاثنين) بتدوينة على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، على إثر تفجر قضية الصحافية هاجر الريسوني، المتهمة وفقاً للقانون الجنائي، بـ”ممارسة الإجهاض بشكل اعتيادي” و”قبول الإجهاض من طرف الغير” و”الفساد”، لتدلي بدلوها في مسألة “الإجهاض” وموقفها من القانون الجنائي المغربي.

وطالبت ماء العينين في التدوينة ذاتها، بمراجعة عميقة وشاملة لمقتضيات القانون الجنائي المغربي، على اعتبار أنها قوانين عتيقة وضعت منذ ستينيات القرن الماضي، قائلةً: “قناعتي أن حزب العدالة والتنمية صار مطالبا اليوم بفتح نقاش داخلي هادئ ومؤطر، بعيدا عن الاتهامات الجاهزة والضعيفة من حيث الحجة من قبيل مناقضة الشريعة الاسلامية أو التشجيع على اشاعة الانحلال في المجتمع أو الابتعاد عن مرجعية الحزب.

وتابعت النائبة البرلمانية، أن حزب العدالة والتنمية تبنى نفس ما تبنته الأحزاب جميعها من تعديلات أدخلتها الحكومة السابقة على القانون الجنائي بناء على نتائج مشاورات اللجنة الملكية المكلفة والتي ضمت وزارة الأوقاف والعدل والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، و للإشارة فالقانون معروض للتصويت على دورة اكتوبر ولم يعرف أي خلاف بين الأحزاب ولم يكن الاجهاض سببا في عرقلة القانون وتعطيله وإنما كان السبب المباشر في ذلك هو مقتضيات تجريم “الاثراء غير المشروع” أو ما يعرف ب”من أين لك هذا؟” والتي ضُمنت في المشروع لأول مرة وخلفت خلافا كبيرا في مجلس الحكومة ثم في البرلمان.

وأشارت، “أن قواعد حزب العدالة والتنمية لم تطلع على هذا النقاش كما لم يشرك فيه الفريق النيابي نفسه المطالب اليوم بالتصويت عليه، وأرى أنه يتضمن مقتضيات متقدمة لازالت تحتاج الى تعميق وتجويد، وقد ساعد على سيادة الهدوء كون النقاش تم بإشراف ملكي، وأتصور أن هدوء مماثلا يمكن أن يطبع مناقشة قوانين أخرى لو اعتمدت نفس المنهجية، أي الإشراف الملكي، وإن كان الأمر إيجابيا إلا أنه لا ينفي مسؤولية الأحزاب في التحلي بالشجاعة الضرورية لفتح نقاشات داخلية خاصة بها.

وأوضحت القيادية بحزب “البيجيدي”، أن حزب العدالة والتنمية يعاني من فقر شديد في الفضاءات التي يمكن أن تحتضن النقاش النظري والفكري من مستوى رفيع، ليعيد طرح القضايا المجتمعية المستجدة وليرصد التحولات الكبيرة على ضوء مرجعيته خاصة وأن انخراطه في تدبير الشأن العام جعله يجري مراجعات كبيرة ويتخذ قرارات وينخرط في ممارسات لم تكن له الجرأة على حسمها نظريا وأدبيا، ليصل أثرها بشكل مؤسس وواضح لكل قواعده سواء منها النضالية أو الانتخابية مع تحمل المسؤولية التامة في اختياراته حينما تصير قناعات يقود بها الحكومة والبرلمان، وظل يدبر المستجدات تدبيرا آنيا لحظيا مفتقدا للرؤية والأفق النظري.

وأضافت، “لايزال جزء من قاعدة الحزب يتصور أن نقاش القوانين المتعلق بحماية الحياة الخاصة هو مؤامرة على الدين والتدين لتحويل هوية المجتمع ودفعه الى التفسخ والانحلال، علما أن الدين لم يكن يوما نصيرا للتجسس والتعقب واقتحام الفضاءات الخاصة ما دام أصحابها اختاروا احترام المجتمع وعدم استفزازه وهو ما يفسر الشروط القاسية التي وضعها الدين نفسه لإثبات مثل هذه الوقائع حماية للمجتمع وليس انتهاكا للخلوات وتبني منطق الفضيحة والتشهير والقذف الذي حرمه الدين”.

في السياق ذاته، أبرزت ماء العينين، أن العديد من القوانين صارت في حاجة الى تغيير جذري لأن حماية الحريات الجماعية يمر ضرورة بحماية الحريات الفردية رغم حساسية هذا المفهوم لدى “الإسلاميين” الذي ما إن يسمعون نقاشا بخصوصه حتى يسارعوا الى التصنيف بين من منهم أكثر تشبثا بالمرجعية ومن منهم صار “ضحية” العلمانية والحداثة دون أن يشعر بذلك. وأردفت: “أتذكر أن مفهوم المساواة مثلا عانى لسنوات من نفس الحساسية قبل أن يصير اليوم متداولا على لسان قيادات الحزب من رجال ونساء دون عقدة أو حرج”.

وشددت المتحدثة ذاتها، بالقول: “قناعتي أن مراجعة هذه القوانين على ضوء نقاش هادئ ورزين صارت أولوية، وعلى الاحزاب وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية تحمل المسؤولية والاتصاف بالشجاعة لفتح نقاشات دون انتظار الاشراف الملكي او التحكيم الملكي في كل مناسبة”.

وأوضحت، “أنه تم ذلك بخصوص مدونة الاسرة حيث تنازل “الاسلاميون” عما كانوا يعتبرونه أسسا ومبادئ، وثبت لهم بعد سنوات أن مرونتهم ومراجعاتهم كانت في محلها بدل الكثير من التشنج الذي واكب الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كما اتصفوا بالمرونة وقبلوا بتعديل القانون المتعلق بالإجهاض وبدؤوا ينفتحون على مطالب الغاء عقوبة الاعدام منذ التنويه الملكي بها في الرسالة الملكية الموجهة للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش والتي تلاها وزير العدل آنذاك مصطفى الرميد”.

وأشارت النائبة البرلمانية عن “البيجيدي”، في ختام تدوينتها، إلى “أن النقاش الفكري والتأسيس النظري أفضل دائما من التدبير السياسي، إنه عمل بيداغوجي هادئ يستهدف الوعي ولا يستهدف المصلحة الواقفة”.

share post